ابن ميثم البحراني
218
شرح نهج البلاغة
أيضا باطل لأنّ العقل يجزم بأنّه لا اطَّلاع له على أنّه لا يقتضى لذلك الكاين من الأسباب الفاعلة إلَّا الاتّصال المعيّن . كيف وقد ثبت أنّ من الكاينات ما يفتقر إلى أكثر من اتّصال واحد ودورة واحدة أو أقلّ ، وأمّا القابليّة فأن يعلم أنّ المادّة قد استعدّت لقبول مثل هذا الكاين واستجمعت جميع شرائط قبوله الزمانيّة والمكانيّة والسماويّة والأرضيّة . وظاهر أنّ الإحاطة بذلك ممّا لا يفي به القوّة البشريّة ، وأمّا الصوريّة والغائيّة فأن يعلم ما يقتضيه استعداد مادّة ذلك المعيّن وقبولها من الصورة وما يستلزمه من الشكل والمقدار ، وأن يعلم ما غاية وجوده وما أعدّته العناية له ، وظاهر أنّ الإحاطة بذلك غير ممكنة للإنسان . وأمّا أحكامهم الكلَّيّة فكأن يقال كلَّما حصلت الدورة الفلانيّة كان كذا . والمنجّم إنّما يحكم بذلك الحكم من جزئيّات من الدورات تشابهت آثارها فظنّها متكرّرة ولذلك يعدلون إذا حقّق القول عليهم إلى دعوى التجربة ، وقد علمت أنّ التجربة تعود إلى تكرّر مشاهدات يضبطها الحسّ . والعقل يحصل منها حكما كليّا كحكمه بأنّ كلّ نار محرقة فإنّه لمّا أمكن العقل استبتات الإحراق بواسطة الحسّ أمكنه الجزم الكلَّى بذلك . فأمّا التشكَّلات الفلكيّة والاتّصالات الكوكبيّة المقتضية لكون ما يكون فليس شيء منها يعود بعينه كما علمت وإن جاز أن يكون تشكَّلات وعودات متقاربة الأحوال ومتشابهة إلَّا أنّه لا يمكن الإنسان ضبطها ولا الاطَّلاع على مقدار ما بينها من المشابهة والتفاوت ، وذلك أنّ حساب المنجّم مبنىّ على قسمة الزمان بالشهور والأيّام والساعات والدرج والدقايق وأجزائها ، وتقسيم الحركة بإزائها ورفعهم بينها نسبة عدديّة وكلّ هذه أمور غير حقيقيّة وإنّما تؤخذ على سبيل التقريب . أقصى ما في الباب أنّ التفاوت فيها لا يظهر في المدد المتقاربة لكنّه يشبه أن يظهر في المدد المتباعدة ، ومع ظهور التفاوت في الأسباب كيف يمكن دعوى التجربة وحصول العلم الكلَّى الثابت الَّذي لا يتغيّر باستمرار أثرها على وتيرة واحدة . ثمّ لو سلَّمنا أنّه لا يظهر تفاوت أصلا إلَّا أنّ العلم بعود مثل الدورة لا يقتضى بمجرّده العلم بعود مثل الأثر السابق لتوقّف العلم بذلك على عود أمثال الباقية للأثر السابق من الاستعداد وساير أسبابه العلويّة والسفليّة ، وعلى ضبطها فإنّ العلم التجربيّ إنّما يحصل